في إطار فعاليات النسخة الرابعة والثلاثين من معرض الدوحة الدولي للكتاب، أُقيمت ندوة فكرية بعنوان “ديناميكيات صناعة النشر: مقارنة بين العالم العربي والغربي”، استضافت كلًا من أحمد رشاد، عضو المكتب التنفيذي في اتحاد الناشرين الدولي، وإبراهيم البو هاشم السيد، نائب رئيس مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب، وأدارتها الدكتورة عائشة جاسم الكواري، مدير الملتقى القطري للمؤلفين. تناولت الندوة واقع صناعة النشر في السياقين العربي والغربي، من حيث التطور، التحديات، والممارسات، في محاولة لرصد الفروق الجوهرية بينهما. استهل السيد إبراهيم البو هاشم الحديث بالإشارة إلى بدايات صناعة النشر والطباعة في العالم العربي، مقارنًا إياها بما شهده العالم الغربي من تطورات مبكرة في هذا المجال. وقدم سردًا تاريخيًا لمسار النشر بين الثقافتين، مشيرًا إلى أن التحديات التي تواجه النشر تختلف من منطقة إلى أخرى. وأوضح أن الناشر العربي، بعكس نظيره في الغرب، يتحمل غالبًا كافة المهام المتعلقة بالنشر والتوزيع والترويج، ما يضع عليه أعباء كبيرة تجعله عرضة للنقد من قبل بعض المؤلفين، رغم الجهود التي يبذلها في ظروف غير مواتية. ورأى أن مستقبل النشر في العالم العربي يمكن أن يكون واعدًا إذا توفرت له جهات داعمة واتحادات قادرة على الدفع بالصناعة نحو الأفضل. في السياق ذاته، تحدث نائب رئيس مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب عن الفروقات الثقافية بين القارئ العربي ونظيره الغربي، مشيرًا إلى أن القراءة لا تزال موجودة في العالم العربي، رغم ما يروَّج أحيانًا عن تراجعها. وأوضح أن فترات مثل جائحة كورونا وشهر رمضان تشهد دعوات متزايدة للعودة إلى القراءة، ولفت إلى أن القارئ العربي غالبًا ما يُنظر إليه بنظرة غريبة حين يُشاهد ممسكًا بكتاب في مكان عام، خلافًا لما هو شائع في الغرب حيث يُعد الكتاب رفيقًا دائمًا للفرد. واستحضر ذكريات الطفولة مع قصص “المغامرون الخمسة”، موضحًا كيف سعى إلى توريث هذه العادة القرائية لأبنائه الذين تعلقوا بالروايات لدرجة أنهم أبدوا رغبتهم في زيارة الأماكن التي وردت في القصص أثناء زيارتهم إلى مصر.
عند الحديث عن الترجمة، أشار البو هاشم إلى أن العالم العربي يُعد من أبطأ المناطق في هذا المجال، مؤكدًا أن مجموع ما تترجمه الدول العربية لا يعادل ما تنتجه دولة أوروبية واحدة من أعمال مترجمة سنويًا. وأوضح أن الناشر العربي يركّز بشكل كبير على المعارض كفرصة للربح المباشر، دون اهتمام كافٍ بتوسيع أهدافه أو المساهمة في حركة ثقافية أوسع، مرجعًا ذلك إلى غياب مصادر دخل بديلة. وانتقد محدودية منافذ بيع الكتب في الدول العربية، معتبرًا ذلك عائقًا حقيقيًا أمام تطور صناعة النشر. من جهته، عبّر البو هاشم عن تقديره الكبير للكتب الصوتية، معتبرًا أنها ليست حديثة تمامًا في الثقافة العربية، بل تعود جذورها إلى تقاليد الحكي الشفهي التي عرفها العرب منذ القدم، قائلًا إن التاريخ العربي كان مليئًا بالحكواتية الذين كانوا ينقلون القصص والروايات شفهيًا، وهي في جوهرها لا تختلف كثيرًا عن الكتب الصوتية بمفهومها الحديث. واعتبر أن هذا النوع من النشر يمكن أن يشكل جسرًا بين الماضي والحاضر، ويعيد الاعتبار لثقافة السرد العربي التقليدي في قالب حديث.
من جانبه أشار أحمد رشاد إلى أن معرض الدوحة للكتاب يشهد تطورًا ملحوظًا، ويبتعد تدريجيًا عن النموذج التقليدي لمعارض الكتب، مقدمًا تجربة أكثر تكاملًا وتنوعًا. وأكد أن الأسواق الغربية مثل الأمريكية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية قطعت أشواطًا كبيرة في تطوير صناعة النشر، بينما تعاني أسواق أخرى من صعوبات هيكلية، من بينها غياب الوكيل الأدبي، ما يجعل العلاقة بين المؤلف والناشر في العالم العربي قائمة على اجتهادات فردية تفتقر إلى التنظيم المهني، ويظهر ذلك بوضوح أيضًا في التحديات التي تواجه عمليات الترجمة، التي تظل بدورها محدودة وغير منهجية. واعتبر أن العقد الأخير شهد بعض التحسن بفضل دخول التكنولوجيا، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الحاجة لا تزال قائمة إلى حلول أوسع في الساحة العربية.
وأوضح أحمد رشاد في حديثه أن بناء الميول القرائية لدى الفرد يبدأ من الأسرة ويتعزز في المدرسة، مشددًا على ضرورة تفعيل دور وزارات التربية والتعليم في دعم هذا التوجه. وأشار إلى أن التركيز في العالم العربي منصبّ حاليًا على الروايات وكتب الأطفال، وهو أمر جيد لكنه لا يكفي، داعيًا إلى تنويع الإنتاج القرائي ليشمل مجالات أخرى كالشعر والعلوم. كما أبدى ملاحظته حول قلة عدد المكتبات العامة في الوطن العربي، وتواضع حركة الترجمة التي لا تزال محدودة من حيث الكم والنوع، ما ينعكس على تنوع المحتوى المتاح للقراء. كما تطرق رشاد أيضًا إلى التأثير الإيجابي للتكنولوجيا على صناعة النشر، مبينًا أن الوسائط الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي سهّلت عملية الترويج للكتب وساهمت في إيصالها إلى شرائح واسعة من الجمهور، وهو ما لم يكن ممكنًا في السابق. لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن حقوق الملكية الفكرية قد تتعرض للانتهاك في ظل الاستخدام المتسارع للتقنيات الجديدة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. وأكد أن العنصر البشري سيظل أساسيًا في صناعة الأدب والإبداع مهما تطورت الوسائل التكنولوجية، داعيًا إلى مزيد من الوعي بهذه النقطة داخل الأوساط الناشرة. وأوضح أن تجربة النشر الذاتي في العالم العربي لا تزال محدودة ولا تُقارن بالتجربة الغربية، التي سبقت العالم العربي بسنوات، حيث بدأت منذ أكثر من عقد عبر منصات إلكترونية متخصصة سهلت عملية الترويج والتوزيع. ومع ذلك، لفت إلى أن هذا النوع من النشر في الغرب بدأ يواجه مؤخرًا بعض الإشكاليات، نتيجة قيامه بأدوار تقليدية للناشر، كالتقييم والتحرير، وهي أدوار محورية يصعب الاستغناء عنها من أجل الحفاظ على جودة المحتوى. وأكد رشاد أن هذا النقص في الجودة يظهر بوضوح في بعض تجارب النشر الذاتي، مما يجعل وجود الناشر المتخصص ضرورة للحفاظ على المعايير المهنية والإبداعية. واختتمت الندوة بفتح المجال أمام الجمهور لطرح أسئلتهم، حيث دارت المداخلات حول مستقبل الكتاب الورقي، ومكانة اللغة العربية في ظل هيمنة المحتوى الرقمي، وآليات دعم الكتاب الشباب في العالم العربي.
Name *
Email *
Your Message *